تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص123
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17 -18] ، وقال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16] وقال {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} الآية [الزمر: 9] ولهذا قال: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} أي: ملازما دائما، كما قال الشاعر (1) :
إن يعذب يكن غراما، وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي
ولهذا قال الحسن في قوله: {إن عذابها كان غراما} : كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. وكذا قال سليمان التيمي.
وقال محمد بن كعب [القرظي] (2) : {إن عذابها كان غراما} يعني: ما نعموا في الدنيا؛ إن الله سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار.
{إنها ساءت مستقرا ومقاما} أي: بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقاما.
[و] (3) قال ابن أبي حاتم عند قوله: {إنها ساءت مستقرا ومقاما} : حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسا من سم الأساود والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إن في النار لجبابا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدلم (4) ، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام -يعني ابن مسكين -عن أبي ظلال، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان، يا منان. فيقول الله لجبريل: اذهب فآتني بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين (5) يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل: آتني به فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به فيوقفه على ربه عز وجل، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان، شر مقيل. فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها! فيقول: دعوا عبدي (6) .
وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} أي: ليسوا بمبذرين في
