تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص171
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي -غير منسوب -من طريق عمرو بن سمرة، عن محمد بن سوقة، عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء، رضي الله عنه، يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون". وذلك فيما أنزل الله، عز وجل: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، ثم قال: "إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم". ولهذا قال [الله تعالى] : (1) {وأنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} (2) .
وقوله: {وتوكل على العزيز الرحيم} أي: في جميع أمورك؛ فإنه مؤيدك وناصرك وحافظك ومظفرك ومعل كلمتك.
وقوله: {الذي يراك حين تقوم} أي: هو معتن بك، كما قال تعالى: {واصبر (3) لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور:48] .
قال ابن عباس: {الذي يراك حين تقوم} يعني: إلى الصلاة.
وقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده.
وقال الحسن: {الذي يراك حين تقوم} : إذا صليت وحدك.
وقال الضحاك: {الذي يراك حين تقوم.} أي: من فراشك أو مجلسك.
وقال قتادة: {الذي يراك} : قائما وجالسا وعلى حالاتك.
وقوله: {وتقلبك في الساجدين} : قال قتادة: {الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين} قال: في الصلاة، يراك وحدك ويراك في الجمع. وهذا قول عكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن البصري.
وقال مجاهد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه؛ ويشهد لهذا ما صح في الحديث: "سووا صفوفكم؛ فإني أراكم من وراء ظهري" (4) .
وروى البزار وابن أبي حاتم، من طريقين، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجه نبيا.
وقوله: {إنه هو السميع العليم} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} الآية. [يونس:61] .
