تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص206
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
أجله؛ ولهذا قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله} أي: يقدر على ذلك، أو إله مع الله يعبد، وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك {قليلا ما تذكرون} (1) أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
{أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) } .
يقول: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} أي: بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] ، وقال تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} الآية [الأنعام: 97] .
{ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين، {أإله مع الله تعالى الله عما يشركون} .
{أمن من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) } .
أي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ (1) الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد} [البروج: 12، 13] ، وقال {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] .
{ومن يرزقكم من السماء والأرض} أي: بما ينزل من مطر السماء، وينبت من بركات الأرض، كما قال: {والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع} [الطارق: 11، 12] ، وقال {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} [الحديد: 4] ، فهو، تبارك وتعالى، ينزل من السماء ماء مباركا فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به [منها] (2) أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى، {كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى} [طه: 54] ؛ ولهذا قال: {أإله مع الله} أي: فعل هذا. وعلى القول الآخر: يعبد؟ {قل هاتوا برهانكم} على صحة ما تدعونه (3) من عبادة آلهة أخرى، {إن كنتم صادقين} في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان، كما قال [الله] : (4) {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117] .
