تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص349
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية.
يقول: لو كان البحر مدادا لكلمات الله والأشجار كلها أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه. إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول.
وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس؛ أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ؟ [الإسراء: 85] ، إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا". فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم". وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية.
وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار. وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله (1) أعلم.
وقوله: {إن الله عزيز حكيم} أي: عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، {حكيم} في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شؤونه.
وقوله: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة [خلق] (2) نفس واحدة، الجميع هين عليه و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] أي: لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكده (3) . {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13، 14] .
وقوله: {إن الله سميع بصير} أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة؛ ولهذا قال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [إن الله سميع بصير] } (4).
{ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) }
يخبر تعالى أنه {يولج الليل في النهار} بمعنى: يأخذ منه في النهار، فيطول ذلك ويقصر هذا،
