تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص380
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" (1) . وفي الصحيح أيضا أن عمر، رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: يا رسول الله (2) لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: "الآن يا عمر" (3) .
ولهذا قال تعالى في هذه الآية: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} .
وقال البخاري عندها: (4) حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [محمد بن] (5) فليح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ، فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا. فإن ترك دينا أو ضياعا، فليأتني فأنا مولاه". تفرد به البخاري (6) .
ورواه أيضا في "الاستقراض" وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله (7) . ورواه الإمام أحمد، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا، فإلي. ومن ترك مالا فلورثته " (9) . ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل (10) ، به نحوه.
وقوله: {وأزواجه أمهاتهم} أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا
