تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص382
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يا بني، لو مات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} أي: ذهب الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال (1) : قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي (2) ، وقضائه القدري الشرعي.
{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) } .
يقول تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء: أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا. ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية، وفي قوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] ، فذكر الطرفين والوسط، الفاتح والخاتم، ومن بينهما على [هذا] (1) الترتيب. فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم [وموسى وعيسى ابن مريم] } (2) ، فبدأ في هذه الآية بالخاتم؛ لشرفه -صلوات الله [وسلامه] (3) عليه -ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله [وسلامه] (4) عليهم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن (5) ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قول الله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كنت أول النبيين في الخلق
