تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص445
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} قال عكرمة: أي: لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا. وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما.
أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل، فإنه متى دخل بها وجب لها عليه بها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع (1) بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير (2) المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فأما هو، عليه السلام، فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش، رضي الله عنها. ولهذا قال قتادة في قوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} ، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
[وقوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم} ] (3) قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة وابن جرير في قوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} أي: من حصرهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا (4) من الإماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئا منه؛ {لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} .
{ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) } .
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر (1) ، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه (2) عن عائشة، رضي الله عنها؛ أنها كانت تعير (3) النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله، عز وجل: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} ، قالت: إني أرى ربك إلا يسارع في هواك (4) .
وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: {ترجي} أي: تؤخر {من تشاء منهن} أي: من الواهبات [أنفسهن] (5) {وتؤوي إليك من تشاء} أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك، إن
