تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص53
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
فانطلق إلى عمر بن الخطاب فقال: كاتبه. فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو عمر، رضي الله عنه: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} (1) ، فكاتبه (2)
هكذا ذكره البخاري تعليقا (3) . ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا. وقال عمرو (4) بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا (5)
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه. إسناد صحيح (6) .
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم بن جويبر، عن الضحاك قال: هي عزمة.
وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي، رحمه الله، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (7) لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" (8) .
وقال ابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله، وإذن منه للناس، وليس بواجب.
وكذا قال الثوري، وأبو حنيفة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.
وقوله: {إن علمتم فيهم خيرا} ، قال بعضهم: أمانة. وقال بعضهم: صدقا. [وقال بعضهم: مالا] (9) وقال بعضهم: حيلة وكسبا.
وروى أبو داود في كتاب المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} قال: "إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلا (10) على الناس".
وقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} اختلف المفسرون فيه، فقال قائلون: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع. وقيل: الثلث. وقيل: النصف. وقيل: جزء من الكتابة من غير واحد.
وقال آخرون: بل المراد من قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات. وهذا قول الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبيه، ومقاتل بن حيان. واختاره ابن جرير.
