تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص536
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها -كما في [أول] (1) سورة الحج -ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها (2) السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، {اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج: 5] ، كذلك الأجساد (3) ، إذا أراد الله سبحانه بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرا يعم (4) الأرض جميعا فتنبت الأجساد في قبورها كما ينبت (5) الحب في الأرض؛ ولهذا جاء في الصحيح: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب"؛ ولهذا قال تعالى: {كذلك النشور} .
وتقدم في "الحج" (6) حديث أبي رزين: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك محلا (7) ثم مررت به يهتز خضرا؟ " قلت: بلى. قال: "فكذلك يحيي الله الموتى".
وقوله: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} أي: من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها، كما قال تعالى: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} [النساء: 139] .
وقال تعالى: {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا} [يونس: 65] ، وقال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] .
قال مجاهد: {من كان يريد العزة} بعبادة الأوثان، {فإن العزة لله جميعا} .
وقال قتادة: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} أي: فليتعزز بطاعة الله عز وجل.
وقيل: من كان يريد علم العزة، لمن هي، {فإن العزة لله جميعا} ، حكاه ابن جرير.
وقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} يعني: الذكر والتلاوة والدعاء. قاله غير واحد من السلف.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم (8) قال:
