شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص557

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

{إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) } {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) } .

يخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله.

ثم قال: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم، كما قال: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل:62] {فمن كفر فعليه كفره} أي: فإنما يعود وبال ذلك (1) على نفسه (2) دون غيره، {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة، وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين، [فسبحان المقدر المدبر رب العالمين] . (3)

{قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) } .

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} أي: من الأصنام والأنداد، {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات} أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير.

وقوله: {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه} أي: أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولون من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور.

ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج: 65] ، وقال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} [الروم: 25] {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور، أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم (4) فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: {إنه كان حليما غفورا} .

الصفحة السابقة الصفحة التالية