تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص571
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
{وما لي لا أعبد الذي فطرني} أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، {وإليه ترجعون} أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
{أأتخذ من دونه آلهة} ؟ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا. فإن الله لو أرادني بسوء، {فلا كاشف له إلا هو} [يونس: 107] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه، {إني إذا لفي ضلال مبين} أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.
وقوله: {إني آمنت بربكم فاسمعون} : قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-يقول لقومه: {إني آمنت بربكم} الذي كفرتم به، {فاسمعون} أي: فاسمعوا قولي.
ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: {إني آمنت بربكم} أي: الذي أرسلكم، {فاسمعون} أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني [قد] (1) آمنت بربكم واتبعتكم. (2)
وهذا [القول] (3) الذي حكاه هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.
قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه.
وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". فلم يزالوا به حتى أقعصوه وهو يقول كذلك، فقتلوه، رحمه الله.
{قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) } {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) } .
قال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقال الله له: {ادخل الجنة} ، فدخلها فهو يرزق منها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها.
وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة. وذلك أنه قتل فوجبت له (1) ، فلما رأى الثواب {قال يا ليت قومي يعلمون} .
قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لما عاين [ما عاين] (2) من كرامة الله
