تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 6
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج6 ص83
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله. ثم جاء الله بعد بالستور (1) ، فبسط [الله] (2) عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو به (3) .
وقال السدي: كان أناس من الصحابة، رضي الله عنهم، يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن.
وقال مقاتل بن حيان: بلغنا -والله أعلم -أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله، ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد، غلامهما بغير إذن! فأنزل الله في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم [ثلاث مرات] } (4) الآية.
ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ، قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} .
ثم قال تعالى: {. وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث.
قال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير.
وقال في قوله: {كما استأذن الذين من قبلهم} يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه.
وقوله: {والقواعد من النساء} قال سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وقتادة، والضحاك: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد، {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي: لم يبق لهن تشوف إلى التزويج، {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} أي: ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} الآية [النور: 31] فنسخ، واستثنى من ذلك {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} الآية (5)
قال ابن مسعود [في قوله] (6) : {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: الجلباب، أو
