شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 7

الحافظ ابن كثير • التفسير • ج7 ص228

تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع

يقول تعالى: {ومن يعش} أي: يتعامى ويتغافل ويعرض، {عن ذكر الرحمن} والعشا في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا: عشا البصيرة، {نقيض له شيطانا فهو له قرين} كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وكقوله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت:25] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا} أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به، {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا] (1) وقرأ بعضهم: "حتى إذا جاءانا" يعني: القرين والمقارن.

قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (2)

والمراد بالمشرقين هنا (3) هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال (4) القمران، والعمران، والأبوان، [والعسران] (5) . قاله ابن جرير وغيره.

[ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها:

ولولا كثرة الباكين حولي ... على قتلاهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي

قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف] . (6)

ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم.

وقوله: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} أي: ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل (7) في ذلك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية