تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 7
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج7 ص236
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
خصمون} (1)
وقوله: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} يعني: عيسى، عليه السلام، ما هو إلا عبد [من عباد الله] (2) أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، {وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} أي: دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء.
وقوله: {ولو نشاء لجعلنا منكم} أي: بدلكم (3) {ملائكة في الأرض يخلفون} ، قال السدي: يخلفونك فيها. وقال ابن عباس، وقتادة: يخلف بعضهم بعضا، كما يخلف بعضكم بعضا. وهذا القول يستلزم الأول. وقال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم.
وقوله: {وإنه لعلم للساعة} : تقدم تفسير ابن إسحاق: أن المراد من ذلك: ما بعث به عيسى، عليه السلام، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك من الأسقام. وفي هذا نظر. وأبعد منه ما حكاه قتادة، عن الحسن البصري وسعيد بن جبير: أي الضمير في {وإنه} ، عائد على القرآن، بل الصحيح أنه عائد على عيسى [عليه السلام] (4) ، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال تبارك وتعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي: قبل موت عيسى، عليه الصلاة والسلام، ثم {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} [النساء: 159] ، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: "وإنه لعلم للساعة" أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة، قال مجاهد: {وإنه لعلم للساعة} أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة. وهكذا روي عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (5) ، وابن عباس، وأبي العالية، وأبي مالك، وعكرمة، والحسنن وقتادة، والضحاك، وغيرهم.
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بنزول عيسى [ابن مريم] (6) ، عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا.
وقوله: {فلا تمترن بها} أي: لا تشكوا (7) فيها، إنها واقعة وكائنة لا محالة، {واتبعون} أي: فيما أخبركم به {هذا صراط مستقيم. ولا يصدنكم الشيطان} أي: عن اتباع الحق {إنه لكم عدو مبين. ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة} أي: بالنبوة {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه}
قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية (8) . وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم رد قول من زعم أن "بعض" هاهنا بمعنى "كل"، واستشهد بقول لبيد الشاعر:
