تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 7
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج7 ص243
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقال البخاري: {فأنا أول العابدين} الآنفين. وهما لغتان، رجل عابد وعبد (1) .
والأول أقرب على أنه شرط وجزاء، ولكن هو ممتنع.
وقال السدي [في قوله] (2) {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} يقول: لو كان له ولد كنت أول من عبده، بأن له ولدا، لكن لا ولد له. وهو اختيار ابن جرير، ورد قول من زعم أن "إن" نافية.
ولهذا قال: {سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون} أي: تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له، فلا (3) ولد له.
وقوله: {فذرهم يخوضوا} أي: في جهلهم وضلالهم {ويلعبوا} في دنياهم {حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} وهو يوم القيامة، أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم، ومآلهم، وحالهم في ذلك اليوم.
وقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، يعبده أهلهما، وكلهم خاضعون له، أذلاء بين يديه، {وهو الحكيم العليم}
وهذه الآية كقوله تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} [الأنعام: 3] أي: هو المدعو الله في السموات والأرض.
{وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما} أي: هو خالقهما ومالكهما والمتصرف فيهما، بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد، وتبارك: أي استقر له السلامة من العيوب والنقائص؛ لأنه الرب العلي العظيم، المالك للأشياء، الذي بيده أزمة الأمور نقضا وإبراما، {وعنده علم الساعة} أي: لا يجليها لوقتها إلا هو، {وإليه ترجعون} أي: فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم قال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه} أي: من الأصنام والأوثان {الشفاعة} أي: لا يقدرون على الشفاعة لهم، {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} هذا استثناء منقطع، أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له.
ثم قال: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره {من خلقهم ليقولن الله} أي: هم يعترفون (4) أنه الخالق للأشياء جميعها، وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره، ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء، فهم في
