تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 7
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج7 ص434
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
قال الإمام أحمد:
حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك" (1) .
إسناده (2) صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه، ولكن له شاهد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (3)
وقوله: {كل امرئ بما كسب رهين} لما أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، بل {كل امرئ بما كسب رهين} أي: مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أبا أو ابنا، كما قال: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين} [المدثر: 38 -41] .
وقوله: {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون} أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى، مما يستطاب ويشتهى.
وقوله {يتنازعون فيها كأسا} أي: يتعاطون فيها كأسا، أي: من الخمر. قاله الضحاك. {لا لغو فيها ولا تأثيم} أي: لا يتكلمون عنها (4) بكلام لاغ أي: هذيان ولا إثم أي: فحش، كما تتكلم به الشربة من أهل الدنيا.
وقال ابن عباس: اللغو: الباطل. والتأثيم: الكذب.
وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون.
وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان.
فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها -كما تقدم-صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة المتضمن هذيانا وفحشا، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها ومخبرها فقال: {بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} [الصافات: 46، 47] ، وقال {لا يصدعون عنها ولا ينزفون} [الواقعة: 19] ، وقال هاهنا: {يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم}
