تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 7
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج7 ص454
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقوله تعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} : قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان، وغشيها نور الرب، وغشيها ألوان ما أدري ما هي.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مالك بن مغول، حدثنا الزبير بن عدي، عن (1) طلحة، عن مرة، عن عبد الله-هو ابن مسعود-قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة (2) ، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها، {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات. انفرد به مسلم (3) .
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره -شك أبو جعفر-قال: لما أسري برسول الله انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة [قال] : (4) فغشيها نور الخلاق، وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر، قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل.
وقال (5) ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال: كان أغصان السدرة لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا، فرآها محمد، ورأى ربه بقلبه.
وقال ابن زيد: قيل: يا رسول الله، أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: "رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله، عز وجل" (6) .
وقوله: {ما زاغ البصر وما طغى} قال ابن عباس: ما ذهب يمينا ولا شمالا {وما طغى} ما جاوز ما أمر به.
وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة، فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطي. وما أحسن ما قال الناظم:
رأى جنة المأوى وما فوقها، ولو ... رأى غيره ما قد رآه لتاها
وقوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} ، كقوله: {لنريك من آياتنا} [طه: 23] (7) أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا. وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع؛ لأنه قال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} ، ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة "سبحان" وقد قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن الوليد بن قيس، عن إسحاق بن أبي الكهتلة (8)
