تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 8
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج8 ص237
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقال ابن أبي حاتم: قرئ (1) على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو رحم الله من قوم نوح أحدا، لرحم امرأة، لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت (2) به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها. فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة". (3)
هذا حديث غريب، ورجاله ثقات. ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح، عليه السلام، وهم الذين أمره الله بحملهم معه.
وقوله: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} أي: إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي: الذين تخلقهم بعدهم {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} أي: فاجرا في الأعمال كافر القلب، وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما.
ثم قال: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا} قال الضحاك: يعني: مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان: أن الوليد بن قيس التجيبي أخبره: أنه سمع أبا سعيد الخدري -أو: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد:-أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي".
ورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، به (4) ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه.
وقوله: {وللمؤمنين والمؤمنات} دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يعم الأحياء منهم والأموات؛ ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء، اقتداء بنوح، عليه السلام، وبما جاء في الآثار، والأدعية [المشهورة] (5) المشروعة.
وقوله: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا} قال السدي: إلا هلاكا. وقال مجاهد: إلا خسارا، أي: في الدنيا والآخرة.
آخر تفسير سورة "نوح" [عليه السلام ولله الحمد والمنة] (6) .
