تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 8
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج8 ص330
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض: {وإذا الوحوش حشرت} قال: اختلطت، {وإذا العشار عطلت} قال: أهملها أهلها، {وإذا البحار سجرت} قال: قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر. قال: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم.
رواه ابن جرير (1) -وهذا لفظه-وابن أبي حاتم، ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم (2) ، والحسن البصري، وأبو صالح، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك في قوله: {وإذا النجوم انكدرت} ي: تناثرت.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وإذا النجوم انكدرت} أي: تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وإذا النجوم انكدرت} قال: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها". رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.
وقوله: {وإذا الجبال سيرت} أي: زالت عن أماكنها ونسفت، فتركت الأرض قاعا صفصفا.
وقوله: {وإذا العشار عطلت} قال عكرمة، ومجاهد: عشار الإبل. قال مجاهد: {عطلت} تركت وسيبت.
وقال أبي بن كعب، والضحاك: أهملها أهلها: وقال الربيع بن خثيم (3) لم تحلب ولم تصر، تخلى منها أربابها.
وقال الضحاك: تركت لا راعي لها.
والمعنى في هذا كله متقارب. والمقصود أن العشار من الإبل-وهي: خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر-واحدها (4) عشراء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع-قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بعد ما كانوا أرغب شيء فيها، بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر القيامة وانعقاد أسبابها، ووقوع مقدماتها.
وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة، يراها أصحابها كذلك ولا سبيل لهم إليها. وقد قيل في العشار: إنها السحاب يعطل عن المسير بين السماء والأرض، لخراب الدنيا. و [قد] (5) قيل: إنها الأرض التي تعشر. وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن تعطل لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه "التذكرة"، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس (6) .
