تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 8
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج8 ص338
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إذا عسعس} إذا أدبر. قال لقوله: {والصبح إذا تنفس} أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر (1) أيضا:
حتى إذا الصبح له تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
أي: أدبر. وعندي أن المراد بقوله: {عسعس} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم تعالى بالليل (2) وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال: {والضحى والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، وقال {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا} [الأنعام: 96] ، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن "عسعس": دنا من أوله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد (3) النحوي ينشد بيتا:
عسعس حتى لو يشاء ادنا ... كان له من ضوئه مقبس
يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال. وقال الفراء: وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع (4) .
وقوله: {والصبح إذا تنفس} قال الضحاك: إذا طلع. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن علي، رضي الله عنه.
وقال ابن جرير: يعني: وضوء النهار إذا أقبل وتبين.
وقوله: {إنه لقول رسول كريم} يعني: أن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم، أي: ملك شريف حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل، عليه الصلاة والسلام. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مهران، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم.
{ذي قوة} كقوله {علمه شديد القوى ذو مرة [فاستوى] (5) } [النجم: 5، 6] ، أي: شديد الخلق، شديد البطش والفعل، {عند ذي العرش مكين} أي: له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة.
قال أبو صالح في قوله: {عند ذي العرش مكين} قال: جبريل يدخل في سبعين حجابا من
