تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 8
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج8 ص73
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
هم: المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريم: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون} أي: قائلين: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا} أي: بغضا وحسدا {للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم! ثم قرأت هذه الآية: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} الآية.
وقال إسماعيل بن علية، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فسببتموهم. سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها". رواه البغوي (1) ..
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمر، رضي الله عنه: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} قال الزهري: قال عمر: هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قرى [عربية: فدك وكذا] (2) وكذا، فما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} {والذين جاءوا من بعدهم} فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق -قال أيوب: أو قال: حظ-إلا بعض من تملكون من أرقائكم. كذا رواه أبو داود، وفيه انقطاع (3) .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة ابن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} حتى بلغ {عليم حكيم} [التوبة: 60] ، ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى [واليتامى والمساكين] } (4) [الأنفال: 41] ، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} حتى بلغ للفقراء {والذين تبوءوا الدار والإيمان} {والذين جاءوا من بعدهم} ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة،
