تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) — ج 8
الحافظ ابن كثير • التفسير • ج8 ص84
تحقيق: سامي بن محمد سلامة — دار طيبة للنشر والتوزيع
قد غفرت لكم". فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم (1) .
هذا لفظ البخاري في "المغازي" في غزوة بدر، وقد روي من وجه آخر عن علي قال ابن أبي حاتم:
حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان -هو سعيد بن سنان-عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري الطائي (2) ، عن الحارث، عن علي قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة، أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة وأفشى في الناس أنه يريد خيبر. قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد، وليس منا رجل إلا وعند (3) فرس، فقال: "ائتوا روضة خاخ، فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها". فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلنا لها: هات الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فوضعنا متاعها وفتشناها (4) فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله ألا يكون معها. فقلت: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا (5) . فقلنا لها: لتخرجنه أو لنعرينك. فقالت: أما تتقون الله؟! ألستم مسلمين؟ فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك. قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حجزتها. وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته (6) من قبلها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة. فقام عمر فقال: يا رسول الله، خان الله ورسوله، فائذن لي فلأضرب عنقه. فقال رسول الله: "أليس قد شهد بدرا؟ ". قالوا: بلى. وقال عمر: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلعل الله اطلع إلى على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، إني بما تعملون بصير". ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب فقال: "يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟ ". فقال: يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، وكان لي بها مال وأهل، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك ووالله-يا رسول الله-إني لمؤمن بالله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق حاطب، فلا تقولوا لحاطب إلا خيرا". قال (7) حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} الآية.
وهكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران، عن أبي سنان -سعيد بن سنان- بإسناده مثله (8) . وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير، فقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة.
حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول
