إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص95
تحقيق: محمد حامد الفقي — مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية
وقال ابن المنذر: "جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
واختار الشافعي وأبو حنيفة والقاضي فى الجامع أنه كان يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وهو رواية عن أحمد، لظاهر الآية، وحديث ابن المنذر.
وعن أحمد من رواية عبد الله: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم".
لحديث أبى سعيد، وهو مذهب الحسن وابن سيرين، ويدل عليه ما رواه أبو داود فى قصة الإفك:
"أن النبى صلى الله عليه وسلم جلس وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم".
وعن أحمد رواية أخرى أنه يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم".
وبه قال سفيان الثوري ومسلم بن يسار، واختاره القاضي فى المجرد وابن عقيل؛ لأن قوله: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [فصلت: 36] .
ظاهره أنه يستعيذ بقوله "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وقوله فى الآية الأخرى: {فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 36] .
يقتضي أن يلحق بالاستعاذة وصفه بأنه هو السميع العليم فى جملة مستقلة بنفسها مؤكدة بحرف "إن" لأنه سبحانه هكذا ذكره.
وقال إسحاق: الذى أختاره ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه".
وقد جاء فى الحديث تفسير ذلك، قال: "وهمزه: المؤتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر".
وقال تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} [المؤمنون: 97 - 98] .
والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة. وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبيد عن الكسائي: همزته، ولمزته، ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقيق: أنه دفع بنخز، وغمز يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو المؤتة التى تشبه الجنون.
وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال- وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظائر ذلك
#
