إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص284
تحقيق: محمد حامد الفقي — مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية
آخره، وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكلام العرب قاطبة شاهد بذلك، كقوله تعالى:
{سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] وقوله: {أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 126] وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور: 58] .
ثم فسرها بالأوقات الثلاثة، وشواهد هذا أكثر من أن تحصى.
ثم قال سبحانه: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] .
فهذه هى المرة الثالثة.
فهذا هو الطلاق الذى شرعه الله سبحانه مرة بعد مرة، فهذا شرعه من حيث العدد.
وأما شرعه من حيث الوقت: فشرع الطلاق للعدة، وقد فسره النبى صلى الله عليه وآله وسلم بأن يطلقها طاهرا من غير جماع، فلم يشرع جمع ثلاث، ولا تطليقتين، ولم يشرع الطلاق فى حيض، ولا فى طهر وطئها فيه، وكان المطلق فى زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كله وزمن أبى بكر كله، وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما، إذا طلق ثلاثا يحسب له واحدة، وفى ذلك حديثان صحيحان: أحدهما رواه مسلم فى "صحيحه"، والثانى: رواه الإمام أحمد فى "مسنده".
فأما حديث مسلم: فرواه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال:
"كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضى الله عنه: إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم".
وفى "صحيحه" أيضا عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس:
"هات من هنياتك: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك فلما كان فى عهد عمر تتايع الناس فى الطلاق، فأجازه عليهم".
وفى لفظ لأبى داود: "أن رجلا يقال له: أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال:
#
