شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص291

تحقيق: محمد حامد الفقي — مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية

وقال محمد بن نصر فى كتاب "اختلاف العلماء": أجمع أهل العلم أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقة، ولم يدخل، بها أنها بانت منه، وليس عليها عدة، واختلفوا فى غير المدخول بها، إذا طلقها الزوج ثلاثا بلفظ واحد، فقال الأوزاعى، ومالك، وأهل المدينة: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وروى عن ابن عباس وغير واحد من التابعين أنهم قالوا: "إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهى واحدة". وأكثر أهل الحديث على القول الأول.

قال: وكان إسحق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاوس عن ابن عباس:

"كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر رضى الله عنهم يجعل واحدة"، على هذا:

قلت: هذا تأويل إسحاق، وأما أبو داود فجعله منسوخا، فقال فى كتاب "السنن": باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، ثم ساق حديث ابن عباس رضى الله عنهما: "أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] .

ثم ذكر فى أثناء الباب حديث أبى الصهباء، وكأنه اعتقد أن حكمه كان ثابتا، لما كان الرجل يراجع امرأته كلما طلقها، وهذا وهم؛ لوجهين:

أحدهما: أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلاق ولو بلغ ما بلغ، كما كان فى أول الإسلام.

الثانى: أن النسخ لا يثبت بعد موت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكون الثلاث واحدة قد عمل به فى خلافة الصديق كلها، وأول خلافة عمر رضى الله عنه، فمن المستحيل أن ينسخ بعد ذلك.

وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا عن أمره، قال: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شيئا ثم يفتى بخلافه، فلما لم يجز ذلك دل فتيا ابن عباس رضى الله عنه على أن ذلك لم يكن عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أمره، إذ لو كان ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما استحل ابن عباس أن يفتى بخلافه، أو يكون ذلك منسوخا، استدلالا بفتيا ابن عباس، وهذا المسلك ضعيف جدا لوجوه:

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية