شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص34

تحقيق: محمد حامد الفقي — مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية

فى غرور أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور} [الملك: 20- 21] .

فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره، ويجلب له منافعه برزقه، فلا بد له من ناصر ورازق. والله وحده هو الذى ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه:

"أدرك لى لطيف الفطنة، وخفى اللطف، فإنى أحب ذلك. قال: يا رب وما لطيف الفطنة؟ قال: إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أنى أنا أوقعتها فاسألنى أرفعها. قال: وما خفى اللطف؟ قال: إذا أتتك حبة فاعلم أنى أنا ذكرتك بها" وقد قال تعالى عن السحرة: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102] .

فهو سبحانه وحده الذى يكفى عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال الله تعالى فى بعض كتبه:

"بعزتى، إنه من اعتصم بى، فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرضون بمن فيهن، فإنى أجعل له من ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بى، فإنى أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله فى الهواء، ثم أكله إلى نفسه، كفى لعبدى ملأى، إذا كان عبدى فى طاعتى أعطيه قبل أن يسألنى، وأستجيب له قبل أن يدعونى، فإنى أعلم بحاجته التى ترفق به منه".

قال أحمد: وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراسانى قال: لقيت وهب بن منبه، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثنى حديثا أحفظه عنك فى مقامى هذا وأوجز، قال نعم:

"أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود، أما وعزتى وعظمتى لا يعتصم بى عبد من عبيدى دون خلقى - أعرف ذلك من نيته - فتكيده السموات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجا؛ أما وعزتى وعظمتى لا يعتصم عبد من عبادى بمخلوق دونى - أعرف ذلك من نيته- إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالى بأى واد هلك".

وهذا الوجه أظهر للعامة من الذى قبله. ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية