إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص90
تحقيق: محمد حامد الفقي — مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية
الباب الثانى عشر: فى علاج مرض القلب بالشيطان
هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعا، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسعوا في ذلك، وقصروا فى هذا الباب.
ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] .
واللوامة فى قوله: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 2] .
وذكرت النفس المذمومة فى قوله: {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40] .
وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذى لا ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهى مركبه وموضع شره، ومحل طاعته، وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس فى موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها فى خطبة الحاجة فى قوله صلى الله عليه وسلم: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا".
كما تقدم ذلك فى الباب الذى قبله.
وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين الاستعاذة من الأمرين فى الحديث الذى رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضى الله عنه:
"أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال: يا رسول الله، علمنى شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال قل: اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السموات والأرض، رب كل شىء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسى سوءا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك".
#
