شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 1

ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج1 ص106

تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت

محذوف، أي كالخوض الذي خاضوا، وقيل: لموصوف محذوف، أي كخوض القوم الذي خاضوا، وهو فاعل الخوض، وقيل: الذي مصدرية كما أي كخوضهم، وقيل: هي موضع الذين

[أصل كل شر البدع واتباع الهوى]

والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كذبت الرسل، وعصي الرب، ودخلت النار، وحلت العقوبات، فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى فتنته هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه.

وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم.

وفي صفة الإمام أحمد - رحمه الله -: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها، وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 3] وقوله تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [ص: 45] .

وفي بعض المراسيل: «إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» .

فقوله تعالى: {فاستمتعتم بخلاقكم} [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصاة وقوله: {وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] إشارة إلى الشبهات وهو داء المتبدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما يجتمعان فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله.

والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم، وأنهم لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية