شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 1

ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج1 ص125

تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت

يأمر بسواه، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل، بل أمره وشرعه عدل كله، وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور، وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما، كما في الحديث الصحيح: «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» فقضاؤه هو أمره الكوني.

فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فلا يأمر إلا بحق وعدل، وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل، وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر، ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم، وهذا نظير قول رسوله شعيب: {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] فقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} [هود: 56] نظير قوله: «ناصيتي بيدك» وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] نظير قوله: «عدل في قضاؤك» .

فالأول ملكه، والثاني حمده، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل؛ فهو على الحق في أقواله وأفعاله؛ فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما له به، ولا يأخذه بغير ذنبه، ولا ينقصه من حسناته شيئا، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا، ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه، ويثنى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة، والغايات المطلوبة، فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله.

قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدا منهم شيئا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له، والإيمان به، ثم حكى عن مجاهد من طريق شبل بن أبي نجيح عنه: {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] قال: الحق، وكذلك رواه ابن جريج عنه.

وقالت فرقة: هي مثل قوله: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] وهذا اختلاف عبارة، فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه؛ وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما زعموا، ولا دليل على هذا المقدر، وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية