شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 1

ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج1 ص254

تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت

القياس - إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحكم والتعليل والمناسبات، والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين وأنها أحالت على القياس، ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها إلا به.

والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان، وقد تخفى دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقا للنص فيكون قياسا صحيحا، وقد يظهر مخالفا له فيكون فاسدا، وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته.

[أخطاء المختلفين في إحاطة النصوص بأحكام الحوادث]

[الخطأ الأول والثانى]

فصل [كل فرقة سدت بابا من الحق]

وكل فرقة من هذه الفرق الثلاث سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق، فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله، فنفات القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يسعانه، فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه.

ولكن أخطئوا من أربعة أوجه:

أحدها: رد القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما لعن عبد الله حمارا على كثرة شربه للخمر: لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله» بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله، وفي أن قوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية