شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 1

ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج1 ص266

تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت

المحرم بوجه ما، وقد فهم من قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] انغماس الرجل في العدو حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها.

وقال الصديق - رضي الله عنه -: «أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده» فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها، وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود: هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين وهذا هو الحق،؛ لأنه - سبحانه - قال عن الساكتين: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط على الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم، وأيضا فإن الله - سبحانه - إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعا، فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه بردة وفرح به.

وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] السورة؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره، فقال لابن عباس ما تقول أنت؟ قال: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم، وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد، فإنه - سبحانه - لن يعلق الاستغفار بعمله، بل علقه بما يحدثه هو - سبحانه - من نعمة فتحه على رسوله ودخول الناس في دينه، وهذا ليس بسبب للاستغفار، فعلم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرا مطهرا من كل ذنب فيقدم عليه مسرورا راضيا مرضيا عنه، ويدل عليه أيضا قوله: {فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر: 3] وهو - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح بحمده دائما. فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم، وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية فأمره بتوفيتها، ويدل عليه أيضا أنه - سبحانه - شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية