إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 2
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج2 ص15
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذا لون، وذاك لون، والله الموفق.
[فصل المصراة على وفق القياس]
فصل:
[بيان أن المصراة على وفق القياس]
ومما قيل إنه على خلاف القياس حديث المصراة، قالوا: وهو يخالف القياس من وجوه: منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة، ومنها أن «الخراج بالضمان» ؛ فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه، ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله، ومنها أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة، والتمر لا قيمة ولا مثل، ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة، وقد قدر هاهنا الضمان بصاع.
قال أنصار الحديث: كل ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلا بنفسه، كما أن غيره أصل بنفسه، وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض، كما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض، بل يجب اتباعها كلها، ويقر كل منها على أصله وموضعه؛ فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح.
فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة: أما قولكم: " إنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة " فأين في أصول الشريعة المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلا؛ ثم نقول: بل أصول الشريعة توجب الرد بغير ما ذكرتم، وهو الرد بالتدليس والغش، فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد، بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله، فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجب العدل؛ فإن المشتري إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه للمبيع مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزه الشريعة عنه، وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار للركبان إذا تلقوا واشتري منهم قبل أن
#
