إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 2
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج2 ص205
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
افتتح الصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود، قلت له: فما الحجة في ذلك؟ فقال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قولنا.
قال الربيع: فقلت له: فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود، قال الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك.
قال الشافعي: وهو - يعني مالكا - يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان «إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك» ، ثم خالفتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر، فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة.
وقد رويتم عنهما أنهما رفعاهما في الابتداء وعند الرفع من الركوع، أفيجوز لعالم أن يترك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل ابن عمر لرأي نفسه أو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لرأي ابن عمر، ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فكيف لم ينهه بعض هذا عن بعض؟ أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاث وعن ابن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك واحدة؟ أيجوز لغيره ترك الذي أخذ به وأخذ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقلت له: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر معا، ويروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر رجلا أو أربعة عشر رجلا، وروي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه، ومن تركه فقد ترك السنة.
قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة، ونص أحمد على ذلك أيضا في إحدى الروايتين عنه.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؛ فقال: جائز، وأحبه، ولا أكرهه؛ لثبوت السنة فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأخبار عن غير واحد من الصحابة، فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار، ثم قال: أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر: من رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب، قال سالم: وقالت عائشة: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي، سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع.
قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه
#
