إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 2
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج2 ص66
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
الرجال، وفضلهم به على النساء، كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن، يدأبون في أسباب معيشتهن، ويركبون الأخطار، يجوبون القفار، ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، والرب تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك، وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات، وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال من تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة؛ فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته؛ فله الحمد كما هو أهله.
وأما قول القائل: " إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل " فليس كما قال، والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ولكن المرأة - لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها وقضاء وطرها - يغمرها سلطان الشهوة، ويستولي عليها، ولا يجد عندها ما يعارضه، بل يصادف قلبا فارغا ونفسا خالية فيتمكن منها كل التمكن؛ فيظن الظان أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل، وليس كذلك، ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع امرأته أمكنه أن يجامع غيرها في الحال، «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطوف على نسائه في الليلة الواحدة» ، وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة، ومعلوم أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة على الوطء، والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها، وانكسرت نفسها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين، فتطابقت حكمة القدر والشرع والخلق والأمر، ولله الحمد.
[فصل الحكمة في جواز استمتاع السيد بأمته دون العبد بسيدته]
] وأما قوله: " أباح للرجل أن يستمتع من أمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره " فهذا أيضا من كمال هذه الشريعة وحكمتها، فإن السيد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له، والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير؛ ولهذا منع العبد من نكاح سيدته للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته وموطوءته، وهذا أمر مشهور بالفطرة والعقول قبحه، وشريعة أحكم الحاكمين منزهة عن أن تأتي به.
#
