إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 3
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج3 ص221
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق، عد إن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى. فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي - وسمى عدة معهما - كانوا يشربون الحرام؟ فقلت لهم: دعوا عند المناظرة تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زلة، أفيجوز لأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارا، قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالا، أفماتوا وهم يأكلون الحرام؟ فبهتوا وانقطعت حجتهم.
قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال: يا بني لا تنشد الشعر، فقلت: يا أبت كان الحسن ينشد الشعر، وكان ابن سيرين ينشد، فقال: أي بني إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله، قال شيخ الإسلام: وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا وله أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة.
قلت: وقد قال أبو عمر بن عبد البر في أول استذكاره.
قال شيخ الإسلام: وهذا باب واسع لا يحصى، مع أن ذلك لا يغض من أقدارهم، ولا يسوغ اتباعهم فيها، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قال مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله.
فروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: إني أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم الجائر، ومن هوى متبع» .
وقال زياد بن حدير: قال عمر: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون.
#
