إعلام الموقعين عن رب العالمين — ج 4
ابن قيم الجوزية • أصول الفقه • ج4 ص104
تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية - ييروت
فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم، وإن قيل " نحن نأتم بهم في الاستدلال وأصول الدين " فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية.
الوجه الرابع عشر: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، إلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب -، وإنما ظفر بالصواب من بعدهم، وأخطئوا هم - لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة؛ لأن من يقول " قول الصحابي ليس بحجة " يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا، ولم يخالفه صحابي آخر، وفات هذا الصواب الصحابة، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء، فكيف يكونون خيرا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطئوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل، وأشرفها، فيا سبحان الله، أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت، وأضرابهم - رضي الله عنهم - قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك، ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم،.
الوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: «صلينا المغرب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، فجلسنا، فخرج علينا فقال: ما زلتم هاهنا؟ فقلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم، وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من
#
