كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص145
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
{ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين} قال: ثم وصف الله على هذا الاسم ما لزمه من العمل فقال: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} إلي قوله: {وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] ، فقال: سلهم: هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟ وقال: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن} [الإسراء: 19] ، فألزم الاسم العمل، والعمل الاسم.
والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خال عن عمل، فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعا لفظيا مع أنهم مخطئون في اللفظ، مخالفون للكتاب والسنة، وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح، وبعض الناس يحكى هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض، ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها، وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينا أحكى عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له؛ فإن كثيرا من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا.
ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] . فقوله: {صدقوا} أي: في قولهم: آمنوا، كقوله: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} إلي قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 14، 15] ، أي: هم الصادقون في قولهم: آمنا بالله، بخلاف الكاذبين الذين قال الله فيهم: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] ، وقال تعالى:
#