كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص165
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
قلت: قوله عن المرجئة: إنهم يقولون: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قد يكون قول بعضهم، فإنهم كلهم يقولون: ليستا من الإيمان، وأما من الدين فقد حكى عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين، ولا نفرق بين الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، وهذا هو المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم. ولم أر أنا في كتاب أحد منهم أنه قال: الأعمال ليست من الدين، بل يقولون: ليست من الإيمان، وكذلك حكى أبو عبيد عمن ناظره منهم، فإن أبا عبيد وغيره يحتجون بأن الأعمال من الدين، فذكر قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] أنها نزلت في حجة الوداع. قال أبو عبيد: فأخبر أنه إنما كمل الدين الآن في آخر الإسلام في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعا الناس إلى الإقرار، حتى قال: لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة. . . إلى أن قال: إن الإيمان ليس بجميع الدين، ولكن الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء، والفرائض جزء، والنوافل جزء.
قلت: هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم، قال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به الكتاب، ألا تسمع إلى قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ، وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ، وقال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين. قلت: إنما قالوا: إن الإيمان ثلث، ولم يقولوا: إن الإيمان ثلث الدين، لكنهم فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين، وسنذكر إن شاء الله تعالى الكلام في مسمى هذا ومسمى هذا. فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين ولا يفرق بين اسم الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل كلاهما من الدين، ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، والشافعي رضي الله عنه كان معظما لعطاء بن أبي رباح، ويقول: ليس في التابعين أتبع للحديث منه، وكذلك أبو حنيفة قال: ما رأيت مثل عطاء، وقد
#