كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص168
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
وفي الصحيحين عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيها شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي، فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، وقالوا: كذب زيد يا رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا شدة، حتى أنزل الله تصديقي في {إذا جاءك المنافقون} ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. وفي غزوة تبوك استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم كما استنفر غيرهم، فخرج بعضهم معه وبعضهم تخلفوا، وكان في الذين خرجوا معه من هم بقتله في الطريق، هموا بحل حزام ناقته ليقع في واد هناك، فجاءه الوحي، فأسر إلى حذيفة أسماءهم، ولذلك يقال: هو صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، كما ثبت ذلك في الصحيح. ومع هذا ففي الظاهر تجري عليهم أحكام أهل الإيمان.
وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام، فإن كثيرا من المتأخرين ما بقى في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة، والنفاق شعب كثيرة، وقد كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم.
ففي الصحيحين عن النبي صلىالله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان "، وفي لفظ مسلم: " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم "
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه شعبة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولا يصلي عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه الله عن ذلك فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] ، وقال:
#