كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص23
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
والمعرفة التامة. فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدم.
وكذلك لفظ [العقل] وإن كان هو في الأصل: مصدر عقل يعقل عقلا، وكثير من النظار جعله من جنس العلوم فلابد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلا إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه؛ ولهذا قال أصحاب النار: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال عن المنافقين: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر: 14] ، ومن فعل ما يعلم أنه يضره؛ فمثل هذا ما له عقل، فكما أن الخوف من الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى} [الأعلى: 9: 12]
فأخبر أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته، قال الله تعالى: {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب} [غافر: 13] ، وقال: {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 8] ؛ ولهذا قالوا في قوله: {سيذكر من يخشى} : سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، وفي قوله: {وما يتذكر إلا من ينيب} : إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة. وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر بما تذكره، فإن تذكر محبوبا طلبه، وإن تذكر مرهوبا هرب منه، ومنه قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] ، وقال سبحانه: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} [يس: 11] ، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ، فأثبت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم والتخويف، فمن علمته فتعلم فقد تم تعليمه، وآخر يقول: علمته فلم يتعلم. وكذلك من خوفته
#