كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص234
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
لكن زاد في أحكامها. ومقصودهم أن الإيمان هو مجرد التصديق وذلك يحصل بالقلب واللسان. وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف. فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة.
والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، فذكر حجا خاصا، وهو حج البيت، وكذلك قوله: {فمن حج البيت أو اعتمر} [البقرة: 158] فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة، والشاعر إذا قال:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
كان متكلما باللغة، وقد قيد لفظه بحج سب الزبرقان المزعفرا، ومعلوم أن ذلك الحج المخصوص دلت عليه الإضافة، فكذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام؛ فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت. وكذلك [الزكاة] هي اسم لما تزكو به النفس، وزكاة النفس زيادة خيرها وذهاب شرها والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس، كما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] . وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به، قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} [النور: 21] وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله، قال تعالى: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6، 7] وهي عند المفسرين التوحيد.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب، وسماها الزكاة المفروضة، فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليها لأجل العهد، ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه وينسبون ذلك إلى الشارع، مثل لفظ [التيمم] ، فإن الله تعالى قال: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ، فلفظ
#