كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص265
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين هم أيضا على درجات، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " وقد قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} الآية [النساء: 95] ، فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى، وإن كان كل منهما كمل ما وجب عليه، وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم: ليس هذا من خواص المؤمنين هذا المعنى؛ أي: ليس إيمانه كإيمان من حقق خاصة الإيمان، سواء كان من الأبرار أو من المقربين، وإن لم يكن ترك واجبا لعجزه عنه، أو لكونه لم يؤمر به، فلا يكون مذموما، ولا يمدح مدح أولئك، ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين.
فيقال: وهذا أيضا لا ينفي عنه الإيمان، فيقال: هو مسلم لا مؤمن، كما يقال: ليس بعالم ولا مفت، ولا من أهل الاجتهاد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". وهذا كثير، فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدورا لمن دونه، فكذلك من حقائق الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس، بل ولا أكثرهم، فهؤلاء يدخلون الجنة، وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الإيمان التي فضل الله بها غيرهم، ولا تركوا واجبا عليهم وإن كان واجبا على غيرهم؛ ولهذا كان من الإيمان ما هو من المواهب والفضل من الله فإنه من جنس العلم، والإسلام الظاهر من جنس العمل، وقد قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] ، وقال: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76] ، وقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] .
#