كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص336
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله، بل غضبه قديم، إما بمعنى الإرادة، وإما بمعنى آخر.
فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرا، لم يزل مريدا لعقوبته، فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه، بل وجوده كعدمه. فليس هذا بمؤمن أصلا، وإذا علم أنه يموت مؤمنا، لم يزل مريدا لإثابته، وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه. فلم يكن هذا كافرا عندهم أصلا. فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر، مثل أبي منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما. ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم.
والذين فرقوا من هؤلاء قالوا: نستثنى في الإيمان رغبة إلى الله في أن يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد. لكن يقال: إذا كان قولك: مؤمن، كقولك: في الجنة، فأنت تقول عن الكافر: هو كافر. ولا تقول: هو في النار، إلا معلقا بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعا. وإن جاز أن يصير مؤمنا، كذلك المؤمن. وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره.
فلو قيل عن يهودي أو نصراني: هذا كافر، قال: إن شاء الله، إذا لم يعلم أنه يموت كافرا، وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه، وهذا القول قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان، يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله.
ومأخذ هذا القول، طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان اتباعا للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف، وكان أهل الشام شديدين على المرجئة، وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطا بعسقلان لما كانت معمورة، وكانت من خيار ثغور المسلمين، ولهذا كان فيها فضائل لفضيلة
#