كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص351
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا [مأخذ ثان] وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة، لما فيه من الحكمة.
وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى شك، مخافة واحتياطا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثوري، قال الله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} [الفتح: 27] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله ". وقال في الميت: " وعليه تبعث إن شاء الله " فقد بين أحمد أنه يستثنى مخافة واحتياطا للعمل، فإنه يخاف ألا يكون قد كمل المأمور به، فيحتاط بالاستثناء، وقال على غير معنى شك، يعني من غير شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف ألا يكون كمله، فيخاف من نقصه، ولا يشك في أصله.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون: أن حبيش بن سندي، حدثهم في هذه المسألة، قال أبو عبد الله: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف على المقابر فقال: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "، وقد نعيت إليه نفسه، وعلم أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر " وعليه حييت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله "، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إني اختبأت دعوتي، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا " وفي مسألة الرجل النبي صلى الله عليه وسلم: أحدنا يصبح جنبا، يصوم؟ فقال: " إني أفعل ذلك ثم أصوم "، فقال: إنك لست مثلنا، أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: " والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله " وهذا كثير، وأشباهه على اليقين.
#