كتاب الإيمان
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج1 ص357
تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني — المكتب الإسلامي، عمان، الأردن
لشك في الإرادة، هذا فيما يحلف عليه ويريده، كقوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام} ، فإنه خبر عما أراد الله كونه وهو عالم بأن سيكون، وقد علقه بقوله: {أن يشاء الله} فكذلك ما يخبر به الإنسان عن مستقبل أمره مما هو جازم بإرادته وجازم بوقوعه فيقول فيه: إن شاء الله، لتحقيق وقوعه، لا للشك لا في إرادته ولا في العلم بوقوعه.
ولهذا يذكر الاستثناء عند كمال الرغبة في المعلق، وقوة إرادة الإنسان له. فتبقى خواطر الخوف تعارض الرجاء، فيقول: إن شاء الله، لتحقيق رجائه مع علمه بأن سيكون، كما يسأل الله ويدعوه في الأمر الذي قد علم أنه يكون، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قد أخبرهم بمصارع المشركين، ثم هو بعد هذا يدخل إلى العريش يستغيث ربه ويقول: " اللهم انجز لي ما وعدتني "؛ لأن العلم بما يقدره لا ينافي أن يكون قدره بأسباب، والدعاء من أعظم أسبابه، كذلك رجاء رحمة الله وخوف عذابه، من أعظم الأسباب في النجاة من عذابه وحصول رحمته.
والاستثناء بالمشيئة يحصل في الخبر المحض، وفي الخبر الذي معه طلب.
فالأول إذا حلف على جملة خبرية لا يقصد به حضا ولا منعا، بل تصديقا أو تكذيبا، كقوله: والله ليكونن كذا إن شاء الله، أو لا يكون كذا. والمستثنى قد يكون عالما بأن هذا يكون أو لا يكون، كما في قوله: {لتدخلن} ، فإن هذا جواب غير محذوف.
والثاني: ما فيه معنى الطلب، كقوله: والله لأفعلن كذا، أو لا أفعله إن شاء الله، فالصيغة صيغة خبر ضمنها الطلب، ولم يقل: والله إني لمريد هذا ولا عازم عليه، بل قال: والله ليكونن. فإذا لم يكن فقد حنث لوقوع الأمر، بخلاف ما حلف عليه فحنث، فإذا قال: إن شاء الله، فإنما حلف عليه بتقدير: أن يشاء الله، لا مطلقا.
#