العقد الفريد — ج 3
ابن عبد ربه • الأدب • ج3 ص88
دار الكتب العلمية - بيروت
المسيح عليه السلام:
ومما أنزل الله على المسيح في الإنجيل: شوقناكم فلم تشتاقوا؛ ونحنا لكم فلم تبكوا؛ يا صاحب الخمسين، ما قدمت وما أخرت؟ يا صاحب الستين، قد دنا حصادك! يا صاحب السبعين، هلم إلى الحساب.
وفي بعض الكتب القديمة المنزلة: يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا عبادي طالما ظمئتم، وتقلصت في الدنيا شفاهكم، وغارت أعينكم عطشا وجوعا: فكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية.
وأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن نفسك الخضوع، ومن عينيك الدموع؛ وسلني فأنا القريب المجيب.
وفي بعض الكتب: عبدي، كم أتحبب إليك بالنعم وتتبغض إلي بالمعاصي؛ خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد.
وأوحى الله إلى نبي من أنبيائه: إن أردت أن تسكن غدا حظيرة القدس، فكن في الدنيا فريدا، وحيدا، طريدا، مهموما، حزينا؛ كالطير الوحداني: يظل بأرض الفلاة، ويرد ماء العيون، ويأكل من أطراف الشجر؛ فاذا جن عليه الليل أوى وحده، واستيحاشا من الطير واستئناسا بربه.
ومما أوحى الله إلى موسى في التوراة: يا موسى بن عمران، يا صاحب جبل لبنان، أنت عبدي وأنا إلهك الديان، لا تستذل الفقير، ولا تغبط الغني بشيء يسير، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوة وحي طائعا؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين.
موسى عليه السلام:
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى موسى عند الشجرة: لا تعجبنك زينة فرعون ولا ما متع به، ولا تمدن إلى ذلك عينك؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين؛ ولو شئت أن أوتيك زينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عنها فعلت؛
#
