العقد الفريد — ج 8
ابن عبد ربه • الأدب • ج8 ص105
دار الكتب العلمية - بيروت
اكمل الخير، معي وجه صبيح، يعدل الدنيا بما فيها، وقد حصل على ضيقة وعسر! فقال: قد شكوت ما كدت أباديك بشكواه! ائت بها. فلما دخلت قال: والله لا أملك غير هذا المنديل! فقلت: هو البغية فناولنيه. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه! فأخذته، فبعته بدينار وكسر، فاشتريت لحما وخبزا ونبيذا، وصرت إليه: فإذا هما يتساقطان حديثا كأنه قطع الروض المعطور؛ قال: ما صنعت؟ فأخبرته؛ قال:
كيف يصلح طعام وشراب وجلوس مع وجه نظيف بلا نقل ولا ريحان ولا طيب؟
اذهب فالطف لتمام ما كنت أوله.
قال: فخرجت فاضطربت في ذلك حتى اتيت به، فألفيت باب الدار مفتوحا، فدخلت؛ فإذا لا يرى لهما ولا لشيء مما أتيت به أثر، فسقط «1» في يدي، وقلت:
أرى صاحب الربع أخذهما! فبقيت متلهفا حائرا، أرجم الظنون وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقفني على أثر؟ ففعلت، فوقفت على باب سرداب له، وإذا هما قد هبطا فيه، وأنزلا معهما جميع ما يحتاجان إليه، فأكلا وشربا وتنعما؛ فلما أحسستهما دليت رأسي ثم ناديت:
مسلم! ويلك! فلم يجبني، حتى ناديت ثلاثا؛ فكان من إجابته لي أن غرد بصوت يقول فيه:
بت في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف «2»
ثم قال: دعبل، ويلك! من يقول هذا؟ قلت:
من له من حر امه ألف قرن ... قد أنافت على علو مناف «3»
قال: فضحك، ثم سكتا، واستجلبت كلامهما فلم يجيباني، وأخذا في لذتهما، وبت بليلة يقصر عمر الدهر عن ساعة منها طولا وغما! حتى إذا أصبحت ولم أكد، خرج إلي مسلم، فجعلت أؤنبه، فقال لي: يا صفيق الوجه! منزلي، ومنديلي، وطعامي، وشرابي؛ فما شأنك في الوسط؟ قلت له: حق القيادة والفضول والله لا غير! فولى
#
