العقد الفريد — ج 8
ابن عبد ربه • الأدب • ج8 ص137
دار الكتب العلمية - بيروت
الى رجل قد أقبل يريد أن يسأله، تناول حبة فأكلها، فيكفي الرجل السؤال ونفسه الرد! قال رقبة بن مصقلة: سفه علينا الأعمش يوما، فقالت امرأته من وراء ستر:
احملوا عنه، فوالله ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يلطم كريه «1» أو يشتم رفيقه.
طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة، فحجبها بالرد، فقالت: والله ما أعجب منك، ولكني أعجب من قوم زوجوك! ودخل رقبة بن مصقلة على الأعمش، فقال: والله إنا لنأتيك فما تنفعنا، ونتخلف عنك فما تضرنا، وإن الوقوف إليك لذل، وإن تركك لحسرة؛ تسأل الحكمة فكأنما تسعط «2» الخردل، وما أشبهك إلا بالصماخيفون «3» ، فإنه كريه الشربة نافع للمعدة! فرفع الأعمش رأسه وقال: من هذا المتكلم؟ فقيل له: رقبة بن مصقلة فنكس رأسه.
وقال رجل من تلاميذ الأعمش: صنعت للأعمش طعاما ثم دعوته، فمضى معي وأنا أقوده، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة، فقال: ما هذا؟ قلت حفرة يعملها الصبيان للكرة. قال: لا. ولكنك حفرتها لتقع رجلي فيها! والله لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه، ثم صنعت له بعد ذلك طعاما ودعوته إليه، فقال: ادخل بنا الحمام قبل ذلك. فأدخلته الحمام، فلما جئت لأصب الماء الحار على رأسه، قال: ما دعاك إلى هذا أردت أن تسلخ قفاي! والله لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه! وكثر الشعر على الأعمش، فقلت له: لم لا تأخذ من شعرك؟ قال: لا أجد حجاما يسكت حتى يفرغ. قلنا له: فإنا نأتيك بحجام ونتقدم إليه أن يسكت حتى يفرغ. قال: فافعلوا!
#
