شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

العقد الفريد — ج 8

ابن عبد ربه • الأدب • ج8 ص95

دار الكتب العلمية - بيروت

وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق الله إذا حدث، وأحسنهم استماعا إذا حدث، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف؛ ثم أفضينا منه إلى أكرم مخالقة، وأجمل مساعدة؛ وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه، فيظهر لنا أنه لا يحب غيره، ويرى ذلك في إشراق وجهه؛ فكنا نغني به عن حسن الغناء، ونتدارس أخباره وآدابه؛ فشغلنا ذلك عن تعرف اسمه ونسبه، فلم يكن منا إلا تعرف الكنية، فإنا سألناه عنها فقال: أبو الفضل.

فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم بم عرفتكم؟ قلنا: إنا لنحب ذلك.

قال: أحببت جارية في جواركم، وكانت سيدتها ذات حبائب «1» ؛ فكنت أجلس لها في الطريق ألتمس اجتيازها، فأراها؛ حتى أخلقني الجلوس على الطريق ورأيت غرفتكم هذه، فسألت عن خبرها، فخبرت عن ائتلافكم وتمالئكم، ومساعدة بعضكم بعضا؛ فكان الدخول فيما أنتم فيه أسر عندي من الجارية. فسألناه عنها فخبرها، فقلنا له:

نحن نختدعها حتى نظفرك بها! فقال: يا إخواني، إني والله على ما ترون مني من شدة الشغف والكلف بها، ما قدرت فيها حراما قط ولا تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمن الله بثروة فأشتريها! فأقام معنا شهرين، ونحن على غاية الاغتباط بقربه، والسرور بصحبته، إلى أن اختلس منا، فنالنا بفراقه ثكل ممض، ولوعة مؤلمة، ولم نعرف له منزلا نلتمسه فيه؛ فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به، وقبح عندنا ما كان حسن بقربه، وجعلنا لا نرى سرورا ولا غما إلا ما ذكرناه، لاتصال السرور بصحبته وحضوره، والغم بمفارقته؛ فكنا فيه كما قال الشاعر:

يذكرنيهم كل خير رأيته ... وشر، فما أنفك منهم على ذكر

فغاب عنا زهاء عشرين يوما، فبينما نحن مجتازون يوما من الرصافة، إذا به قد طلع في موكب نبيل، وزي جليل، فلما بصر بنا انحط عن دابته وانحط غلمانه، ثم

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية