العقد الفريد — ج 8
ابن عبد ربه • الأدب • ج8 ص100
دار الكتب العلمية - بيروت
قالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين: هلما الساعة! فقلت في نفسي: أبو الحسن وأبو الحسين، هو علي بن أبي طالب! قال: فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا، فصعدا، فقصت المرأة عليهما القصة، فخطب أحدهما وأجاب الآخر، وأقررت بالتزويج وأقرت المرأة؛ فدعوا بالبركة ثم نهضا، فاستحييت أن أحمل المرأة شيئا من المئونة، فأخرجت دينارا آخر فدفعته إليها، وقلت: اجعلي هذا لطيبك. قالت: يا أخي، لست ممن يمس طيبا لرجل، إنما أتطيب لنفسي إذا خلوت. قلت: فاجعلي هذا لغدائنا اليوم. قالت: أما هذا فنعم.
فنهضت الجارية، وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت، وتغدينا، وجاءت بأداة وقضيب، وقعدت تجاهي؛ ودعت بنبيذ فأعدته، واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط، فإني ألفت القينات نحوا من ثلاثين سنة، ما سمعت مثل ترنمها قط؛ فكدت أجن سرورا وطربا، فجعلت أريغ «1» أن تدنو مني فتأبى، إلى أن غنت بشعر لم أعرفه، وهو:
راحوا يصيدون الظباء، وإنني ... لأرى تصيدها علي حراما!
أعزز علي بأن أروع شبهها ... أو أن تذوق على يدي حماما!
فقلت: جعلت فداك! من يغني هذا؟ قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، وتغنى به ابن سريج وابن عائشة ...
فلما نعي إلينا النهار وجاءت المغرب، تغنت بصوت لم أفهمه، للشقاء الذي كتب علي، فقالت:
كأني بالمجرد قد علته ... نعال القوم أو خشب السواري «2»
قلت: جعلت فداك! ما أفهم هذا البيت ولا أحسبه مما يتغنى به. قالت: أنا أول من تغنى به. قلت: فإنما وهو بيت عابر لا صاحب له؟ قالت: معه آخر ليس هذا وقته، هو آخر ما أتغنى به؟
#
